مقالات رأي

للرؤوس الساخنة في ايران

نبيه البرجي
“لقد باعنا , في سوق الأمم , مثلما تباع المواشي …” !
متى لم يكن “الاخوان المسلمون” أحصنة الشيطان منذ تأسيس الجماعة ؟ ذاك الشبق الفرويدي (الدموي) الى السلطة أنتج رجالاً من طراز أبي بكر البغدادي , وأبي مصعب الزرقاوي , وأبي محمد الجولاني …
لا نتصور وجود زعيم سياسي أكثر زبائنية , وأكثر مكيافيلية , من رجب طيب اردوغان . الاخواني المحترف , الجاهز لبيع طربوش حسن البنا في “سوق العتيق” . حمل على الأمير محمد بن سلمان , ثم جثا بين قدميه . أهان ايمانويل ماكرون , ثم تذلل أمام أبواب الاليزيه . دعا الى القضاء على عبد الفتاح السيسي , ثم , على طريقة نعيمة عاكف في هز البطن , راح يتوسل , ويتسول , مصافحته .
الآن , السلطان العثماني الذي اضطلع بدور الثعبان , لا بدور الثعلب , بين البيت الأبيض والكرملين , استشعر , بعد تلك السنوات من الرقص بين جاذبية التاريخ , وجاذبية الايديولوجيا , أن المطرقة الأميركية تقترب من رأسه بالهبوط المروّع لليرة التركية . للتو اتصل بنفتالي بينيت , ولوّح بخطوات وشيكة لـ”الاقتراب من اسرائيل” .
الرجل الذي أوحى باحياء السلطنة العثمانية , تعهد لقادة فلسطينيين بأنه سيكون أول المحاربين من أجل استعادة المسجد الأقصى , هو من دعا حركة “حماس” الى اقامة مراكز تدريب عند الحدود مع سوريا , ومن كان وراء تسليم مخيم اليرموك , قرب دمشق , الى تلك الفصائل الهمجية , من أجل تقويض الدولة في سوريا ….
لولاه هل كان يمكن لسيناريو الحرب أن يبقى ليوم واحد مع ادراكه , كاخواني محترف , ويرفع شعار “الاسلام هو الحل” (اي طراز من الاسلام ؟) , أن ذلك السيناريو أعدّ للقضاء على الدور السوري في مؤازرة المقاومة , ومن جنوب لبنان الى جنوب فلسطين …
هل هي المصادفة أن يتحدث الى رئيس الحكومة الاسرائيلية عشية معاودة مفاوضات فيينا , واعداً بزيارة لوزير خارجيته الى تل أبيب , وربما الى “اورشليم” , بعدما كان قد صرح بأن التواصل بين الأجهزة التركية والأجهزة الاسرائيلية لم يتوقف يوماً ؟
أكثر من مرة , حاول أن يمد يده , بعيداً من الضوء , الى بشار الأسد الذي رفض الدخول في لعبة الأقنعة . الأولوية لرحيل آخر جندي تركي عن الأرض السورية . بعد ذلك لكل حادث حديث . ها أنه يختار اسرائيل لا سوريا . اذا أتاكم حديث المطرقة الأميركية وويلاتها على حلفائها …
لهذا نقول لأصحاب الرؤوس الساخنة في ايران , في ظل صراع الأمبراطوريات , لا جدوى من الرهان على “الجنرال زمن” , وقد بات عبئاً ثقيلاً عليكم . كثيرون حول ايران , بما في ذلك اذربيجان , بالأكثرية الشيعية والاتنية التركية , يلعبون ضدكم لأنهم يخشون من تداعيات الايديولوجيا العاصفة , الايديولوجيا الحديدية …
مثلما لا مجال أمام الأتراك لاحياء السلطنة , لا مجال أمام الايرانيين لاحياء الأمبراطورية . العالم ليس فقط في التاريخ الآخر , بل في ما بعد التاريخ . بالأحرى , ليس فقط في الزمن الآخر , بل في ما بعد الزمن !
بطبيعة الحال , ندرك ضراوة جنون البعد الأمبراطوري في السياسات الأميركية , حيال الشرق الأوسط , أكان ذلك عقب مؤتمر يالطا عام 1945 أم كان في ظل “مبدأ ايزنهاور” عام 1957 , كما ندرك أن الرحيل الى الباسيفيك لا يعني ترك حقول النفط والغاز مشرعة أمام التنين …
لكن ايران تمكنت من أن تفرض نفسها كدولة مركزية في المنطقة . الأميركيون أقروا بذلك علناً . العودة الى اتفاق فيينا (بالتالي اعادة ترتيب العلاقات مع الولايات المتحدة) لآ بد أن تؤدي الى الحد من الحصار الأميركي القاتل على لبنان , وعلى سوريا , كما قد يحد من ذلك التبعثر , أو التصدع , الكارثي في العراق .
ابراهيم رئيسي أعطى الأولوية لتوثيق العلاقات مع بلدان الجوار . اذاً , لتكن الخطوة الأولى من اليمن (وحيث العقدة السعودية) . هذا البلد العريق الذي تحول الى أرض يباب .
اذ لا جدوى من الاستمرار في اللعب الجيوسياسي , أو اللعب الجيوستراتيجي , هناك , لا مجال لزحزحة أي نظام خليجي , وبقرار من القوى الكبرى دون استثناء , لماذا لا تكون سياسة غسل الأيدي , وغسل القلوب ؟ هكذا لا تبقى الأبواب على مصراعيها لا أمام الثعبان العثماني , ولا أمام الأخطبوط الاسرائيلي …

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى