مقالات رأي

أقتلوا بعضكم بعضاً …!

نبيه البرجي
بعيداً عن اللغة الخشبية , والألواح الخشبية , لا مكان للأصوات العارية في هذه الغرنيكا الأبدية كامتداد جدلي لداحس والغبراء , وحتى كامتداد لليلة الأخيرة بين قايين وهابيل . الوصية الحادية عشرة نزلت علينا خصيصاً : أقتلوا بعضكم بعضاً …
ماذا يعني جورج قرداحي , أو أي لبناني آخر , لمستشاري البلاط الا اذ كان بمواصفات الليدي غاغا , وجون ترافولتا . الا اذا كان بمواصفات … هيفاء وهبي ؟
الأزمة بين لبنان والخليج أزمة لبنانية , بالدرجة الأولى . من تعاقبوا على السلطة , باستثناء القلة القليلة , لم يصنعوا لبنان ـ الدولة , ولا اللبناني ـ المواطن . كل ذلك الكبرياء الذي نتحدث عنه , حتى في العتابا والميجانا , كلام بكلام . عندنا الدولة ـ القهرمانة , والمواطن ـ القهرمانة …
متى لم تحترف حكوماتنا ثقافة التسول ؟ دائماً الحلقة الضعيفة . اذ أظهر صراعنا مع اسرائيل أن بامكاننا أن نصنع المستحيل , ربما ما هو أبعد من المستحيل , لو كانت لدينا دولة حقاً لجعلت لبنان نقطة الاستقطاب بين دمشق ومكة , وبين الفسطاط والقيروان .
كيف نطلب من السعوديين أن يحترمونا , وقد أهانونا حتى العظم , اذا كنا لا نتجرأ , بزبائيتنا القاتلة , وبتصدعنا القاتل , وقف استيراد البطاطا من هذه الدولة , والبندورة , من تلك الدولة , لحماية محاصيلنا ؟
هكذا نزحف الى هذا البلاط أو ذاك لأن حكامنا لم يحاولوا يوماً بناء رؤية استراتيجية للدولة . بكل تلك التفاهة , نفاخر بأن أدمغتنا الرائعة , أيدينا الرائعة , موزعة في أصقاع الدنيا .
ماذا لو كانت هناك دولة تستثمر تلك الأدمغة , وتلك الأيدي , لنكون من طراز دولة مثل السويد أو مثل هولندا , بصناعاتنا , أيضاً بزراعاتنا , لا أن نقتل سهولنا , ونقتل جبالنا , ونقتل أوديتنا , ونقتل أنهارنا . حتى لكأننا نقتل الهواء . أجل , أجل , نحن … قتلة الهواء !
نقول للايرانيين الذين لا ننسى ما قدموه لنا لاجتثات الأقدام الهمجية من أرضنا , حين كان أشقاؤنا يتأرجحون بين اتفاق أوسلو واتفاق وادي عربة , أن الأميركيين يخنقوننا , وأن أشقاءنا يخنقوننا . الى متى … مراقصة الحطام ؟
لم نعد نريد الخبز , ولا المازوت . نريد الدواء الذي لا يستطيع الحصول عليه سوى أصحاب القامات والمقامات المقدسة . لا يمكن لأي شعب في العالم (ولسنا شعباً بأية حال) يبلغ هذا الحد من المعاناة دون الانقضاض , ولو بأسنانه , على مصاصي الدماء …
لا أحد يتصور , بمن في ذلك أصحاب الخيال الخشبي , أنه مسموح للايرانيين , أوللسعوديين , تحديد مستقبل اليمن , أو حتى مستقبل نبتة قات في اليمن .
من المنطقي أن يكون السعوديون معنيين , من الناحية الجيوسياسية , باليمن . ولكن ألم يكن بامكان المملكة , بثرائها الأسطوري , أن تنقل البلد الشقيق من حال الى
حال بدل أن تنفق مئات مليارات الدولارات , وعلى مدى عقود , لشراء عشرات آلاف رجال الدين (55000 ) من
أجل تسويق “ثقافة الخيزرانة” . خيزرانة جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟
لعل الايرانيين يتذكرون كيف هبّ كسرى أنو شروان لنجدة سيف بن ذي يزن لدحر أبرهة الحبشي . تلك أيام , وهذه أيام . الأميركيون في زمننا يمسكون بكل أبواب , وبكل مفاتيح المنطقة . مثلما يستنزفون السعوديين يستنزفون الايرانيين . متى لم تكن الأمبراطوريات , ومنذ القرن التاسع عشر , تنظر الينا أكثر من كوننا كثباناً من الرمال وتذرونا الرياح ؟
مهما قيل حول رحيل الأميركيين من المنطقة الى الباسيفيك , لا شك أن الشرق الأوسط يبقى , بثرواته , وبموقعه الجغرافي , مسرحاً للصراعات الكبرى . أيضاً مسرحاً للصفقات الكبرى , ما دامت المنطقة مبعثرة هكذا , ضائعة هكذا , وبعيدة عن التفاعل مع ديناميات القرن ..
آن للتراجيديا اليمنية أن تقفل , لتقفل , تلقائياً , التراجيديا اللبنانية , والتراجيديا السورية , والتراجيديا العراقية . كفى ضحايا على أبواب مأرب , وهم بالآلاف , لأنهم يذهبون هباء , ويذهب معهم اليمن هباء …
لكننا حتى اللحظة ما زلنا نأخذ بالوصية الحادية عشرة : أقتلوا بعضكم بعضاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى