مقالات رأي

لمصلحة من انفجار لبنان ؟

نبيه البرجي
الفيلسوف الفرنسي (الماركسي) لوي ألتوسير قال “الذين يصفون شارل تاليران بـ”الشيطان الأعرج” , أدعوهم للعودة الى التاريخ ليتبيّنوا من ذاك الذي يتولى ادارة البشرية , منذ هبوط آدم على الأرض , الله أم الشيطان” .
سأل “ما دام على الرجل , كسياسي , وكديبلوماسي , في مؤتمر فيينا (1815 ) , أن يرتدي وجه الثعلب , أو وجه الثعبان , ما الذي ينقصه ليرتدي وجه الشيطان ؟” . نقول لألتوسير”الساسة عندنا , أكثرهم على الأقل , يرتدون وجوه الملائكة حتى وهم يبيعون الحطب في جهنم” !
العديد من المفكرين عندنا , وأكثريتهم على خطى وحيد القرن , يتساءلون ما اذا كان لبنان أمام أزمة حكومة , أو أزمة نظام , أو أزمة دولة . لو عدنا الى ما يقال عنا في العالم , لرأينا أن لبنان يعاني من الأزمات الثلاث . تضاف اليها الأزمة (الجينية) التي تستشري في سائر دول , ومجتمعات , المنطقة : أزمة العقل السياسي !!
اذا كنا حيال أزمة نظام , ما البديل ؟ انسوا خرافة الدولة المدنية , ليس فقط بعدما سقطت المادة 95 من الدستور , أيضاً بعدما بدا جلياً مدى التواطؤ , أو مدى التماهي , في ادارة الخراب , بين السلطة السياسية والسلطة الدينية .
البعض ممن يمتلكون خيال السلاحف , وحتى أدمغة السلاحف , يرون الحل في صناديق الاقتراع . يا لهؤلاء الذين يتعاملون مع الرعايا كونهم طوابير الذباب على أبواب الباب العالي . هل قلتم لنا أي قانون انتخاب يليق بالكائنات البشرية قدمتم لانتاج السلطة , أو الطبقة , البديلة , أم أنكم تراهنون على الصوت التفضيلي لنغرق أكثر فأكثر في المستنقع الطائفي , وحيث اغتيال الحد الأدنى من الديمقراطية , والحد الأدنى من المنطق , منطق الدولة …
كما درجت العادة , وما دمنا الدمى في نقطة التقاطع بين لعبة الأمم ولعبة القبائل , نتكئ على ما يقوله , وما يفعله , الأوصياء حتى على عظامنا . البعض يرى أن الدولة في لبنان اندثرت , ولا مجال البتة للرهان , في عملية انقاذ ما يمكن انقاذه , على المنظومة السياسية اياها التي أمسكت بأعناقنا وقادتنا , بخطى حثيثة , الى القاع .
أيضاً , لا مجال للاتيان بالسلطة البديلة باعتبار أن الفوضى الجيوسياسية , والفوضى الجيوستراتيحية (ناهيك عن الفوضى الايديولوجية) في المنطقة لا تسمح بصيغة للبنان تبتعد عن مفاهيم القرون الغابرة , للدولة وللسلطة .
كفانا مواقف بهلوانية على المسرح . أزمة دولة في لبنان . الحل لا يمكن أن يكون في صناديق الاقتراع , ولا في الرؤوس العفنة . نحن أمام مأزق وجودي , ونخشى من مؤتمر دولي يقود الى البلقنة الطائفية , أو الاتنية , في لبنان , وفي المحيط . ولكن ماذا يعني حين يكون طريق الخلاص , وهو طريق الجلجلة , بيد صندوق النقد الدولي أو بيد البنك الدولي ؟ دائماً المطرقة الأميركية …
لاحظنا كيف أن الرئيس المكلف يدور في دول المنطقة , وبين قناصل القرن التاسع عشر , ليستشيرها في ما ينبغي أن يفعله مادامت أبواب قصر اليمامة قد أقفلت في وجهه , وفي وجه ما تبقى من التركة الحريرية .
لا شك أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يعلم ما في البلاط السعودي , وما في البلاط الأميركي , وحتى ما في البلاط الاسرائيلي . عنده الكلام الأخير (زبدة الكلام) للرئيس سعد الحريري . على هذا الكلام لا يتوقف مآل التكليف فحسب وانما مآل االرجل .
لقاء الأمس بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف بدا وكأنه لقاء من وراء أكياس الرمل . لو كانت هناك نقطة ضوء , ولو كان هناك تغيير نوعي في التشكيلية الحريرية يتزامن مع تراجع الرئيس ميشال عون قيد أنملة (والبلد يلفظ أنفاسه الأخيرة) لطال اللقاء , وتشاورا , واتفقا . في نهاية المطاف , لا حل الا برحيل الرجلين اذا لم يتصاعد الدخان الأبيض اليوم من قصر بعبدا . هل من تفسير لبقائهما في حين أن الجدار الأخير على وشك الانهيار ؟
تلك الضوضاء في المنطقة , وتلك الضبابية في المنطقة, ترخي بظلالها على الحالة اللبنانية . جدلياً , الاحتقان لا بد أن يقود الى الانفجار . الى أين يقودنا الانفجار ؟ الى حيث تنتظرنا اسرائيل . لا مكان للعقل السياسي , الضمير السياسي . في هذه الحال اسألوا السيد الشيطان حين يرتدي وجه الملائكة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى