مقالات رأي

عرب ما بعد أميركا

نبيه البرجي

أي أفغانستان بعد الخروج الأميركي ؟ بعد عقدين من الغزو , دولة هشة اقتصادياً , وسياسياً , وعسكرياً , وحتى سوسيولوجياً . الأفغان يتمنون العودة الى زمن اللوياجيرغا (كونسورتيوم القبائل) . على الأقل , كان هناك حكماء بين شيوخ القبائل ينتمون الى تلك الأرض لا الى الجنرال كينيث ماكنزي ولا الى الملاّ هبة الله أخوندزاده .
مثلما سلّم ريتشارد نيكسون مفاتيح سايغون الى ورثة هوشي منه , ها أن جو بايدن يسلّم مفاتيح كابول الى ورثة الملاّ عمر . نعلم أن حركة “طالبان” صناعة أميركية (أصحاب القمصان البيضاء) لحماية أنبوب الغاز , الممتد من تركمانستان عبر الشمال الأفغاني باتجاه بحر العرب …
فوضى جحيمية . لننتظر المجازر اليومية على يد أولئك البرابرة الذين يرفعون راية الاسلام , وقد رأينا نماذج منهم في العراق , وفي سوريا , وحتى في لبنان , اذا كنتم تذكرون التفجيرات التي أودت بحياة المئات من الأبرياء !
لعل الأكثر اثارة للذهول في التعبير عن السقوط المدوي للقيم لدى المخططين الاستراتيجيين في الولايات المتحدة كلام للجنرال ديفيد بتراوس , الذي ينظر اليه على أنه بحجم الجنرال دوغلاس ماك آرثر , والجنرال جورج باتون .
الجنرال الذي كان قائداً للقوات الأميركية في العراق وأفغانستان , كما شغل منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية , قبل أن يتنحى بسبب فضيحة غرامية , اقترح توظيف الفوضى المرتقبة على الأرض الأفغانية لاشغال الخاصرة الايرانية , والخاصرة الصينية .
في هذه الحال , ماذا تعني الشعوب في البلدان اياها للعقل العسكري الأميركي سوى أنها وقود بشري في لعبة المصالح الكبرى , والاستراتيجيات الكبرى ؟
ما حدث في فيتنام , وما حدث في أفغانستان , كما في أمكنة أخرى من الكرة الأرضية , يجعلنا نتساءل أي عرب بعد رحيل الولايات المتحدة أذا ما أخذنا بالاعتبار تقرير البنك الدولي حول نضوب النفط في المنطقة بعد أقل من 15 عاماً من الآن ؟
بترايوس قال بتوظيف الجثث الأفغانية في اثارة الاضطرابات في ايران والصين (تكتيكياً في باكستان) , أين يمكن أن توظف جثثنا بعد الخروج الأميركي (الحتمي) من الشرق الأوسط ؟
بعضنا راهن على الصين لملْ الفراغ . حتى التنين لا يرى فينا أكثر من براميل النفط تتدحرج على أرصفة روتردام , أو في أروقة وول ستريت .
اذ يعتمد الصينون , حالياً , وبشكل أساسي على صادرات النفط من الخليج وايران , ها هم يجترحون معجزة تكنولوجية عبر ” الشمس الاصطناعية” , أي المفاعل النووي الاندماجي “توكاماك” , وحيث التجربة الأولى حققت درجة حرارة تعادل 160مليون درجة مئوية , أي عشرة أضعاف حرارة الشمس ما يشكل مصدراً هائلاً للطاقة النظيفة التي لا حدود لها …
الاسرائيليون مذعورون من الزلازل المحتملة , وان كانت المؤسسة اليهودية تتقن اللعب على كل الخيوط . المؤرخ شلومو صاند تساءل ما اذا “كنا نتجه الى الأخذ باقتراح ناحوم غولدمان ـ وهو أحد آباء الدولة والرئيس السابق للمؤتمر اليهودي العالمي ـ أي التحول من الدولة ـ الترسانة الى الدولة ـ الكنيس” ؟
لكن الاسرائيليين بذلوا جهوداً اسطورية لبناء دولة تحاكي العصر (وبمؤازرة أميركية لا محدودة) . صادراتهم السنوية من الأسلحة والأدوات التكنولوجية تتعدى الـ 10 مليارات دولار . هذا بالاضافة الى امتلاكهم أكثر من 200 رأس نووي تم تزويد الغواصات ببعضها , والى المختبرات الطبية التي تفوقت في بعض المجالات الحساسة .
على الضفة الأخرى , ماذا فعل العرب سوى التلاشي في الحالة الأميركية , واعتماد مفاهيم القرون الوسطى في ادارة الدول كما في ادارة المجتمعات ؟
لو سألنا الجنرال ديفيد بترايوس , ولا نعتقد أنه ينظر الينا ككائنات بشرية , أين يوظف الأميركيون جثثنا لأجاب : الابقاء على ثقافة داعس والغبراء التي نراها , حتى الآن , في أكثر من مكان على الخريطة العربية . هذا لا يمنعنا من أن نتوقع ما هو أشد هولاً . أن تفتح الكهوف (والقبور) على مصراعيها , وندخل في زمن تورا بورا , وفي زمن بوكو حرام . لن نعود نعني شيئاً للبيت الأبيض سوى كوننا من بقايا … الهنود الحمر !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى